الشيخ محمد رشيد رضا

218

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والطغيان ، وذم أكله بالباطل ومنع الحقوق المفروضة فيه والبخل به عن الفقراء والضعفاء - ومدح أخذه بحقه وبذله في حقه ، وانفاقه في سبيل اللّه بما ينفع الناس ويعز الملة ويقوي الأمة ، ويكون عونا لها على حفظ حقيقتها واستقلالها - فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل اللّه تعالى به الدين ، فيما أوحاه من كتابه إلى محمد رسول اللّه وخاتم النبيين ، وما كان لرجل أمي ولا متعلم أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الاصلاح لتعاليم الكتب السماوية التي يتعبد بها الملايين من البشر ، ولكتب الحكماء والفلاسفة أيضا ، فهل الأقرب إلى العقل أن يكون بوحي من اللّه عز وجل أم من نفس محمد ( ص ) وعلى ذكر الفلاسفة أذكر شبهة لمقلدتهم على الفضائل وعمل الخير الدينية يلو كونها بألسنتهم ولا يعقلون فسادها ، وهي أن الكمال البشري أن يعمل الانسان الخير لذاته أو لأنه خير لا لعلة ، ويعدون من أكبر العلل أن يعمله رجاء في ثواب الآخرة أو خوفا من عقابها ، ومعنى هذا ان كانوا يفقهون ان من يقصد بعمل الخير والبر ما أرشد اليه الاسلام من تزكية نفسه وترقية روحه بحيث تكون راضية مرضية عند رب العالمين ذي الكمال المطلق الاعلى - وأهلا لجواره في دار كرامته يكون ناقصا ، وانما يكون كاملا إذا خرج عن طبعه ، وقصد النفع بعمله لغيره دون نفسه ، ودون ارضاء ربه ، ومن ذا الذي يحد حقيقة هذا الخير للبشر ويحملهم عليه ؟ وجملة القول أن أركان الدين الثلاثة مأثورة عن جميع الأمم القديمة وذلك دليل على أن أصلها واحد وهو الوحي وهداية الرسل ، وأنه كان قد دب إليها الفساد بتعاليم الوثنية وبدعها ، فجاء محمد النبي الأمي بهذا القرآن من عند اللّه تعالى فأصلح ما كان من فسادها الذي جعلها غير كافلة لسعادة البشر الآخذين بها ، من شوب الايمان باللّه بالشرك والتشبيه بالخلق ، وجعل الجزاء بالمحاباة والفداء ، لا بالحق والعدل ، وجعل العبادات تقاليد كاللعب واللهو ، غير مثمرة لتزكية النفس ، ولا راجحة في ميزان العقل ، وعبادات الاسلام وآدابه كلها معقولة مكملة لفطرة الانسان واننا نقفي على هذا ببيان القرآن لما جهله البشر من أمر النبوة ووظائف الرسل . ثم نعود إلى بيان ما في وحي القرآن من قواعد الإصلاح العام الدائم للبشر الدال على كونه من عند اللّه لا من معارف محمد ( ص ) النابعة من نفسه